في عالمٍ لا يتوقف فيه تدفق رؤوس الأموال عبر الحدود لم تعد العملة الوطنية مجرد وسيلة للتبادل، بل باتت مرآة تعكس كفاءة الاقتصاد الكلي ومدى صموده أمام الأزمات، وتبرز فلسفة التحرير كحلٍ جذري لمعالجة الاختلالات الهيكلية، لكن هذا التحرير يأتي بنكهات مختلفة؛ فمنه التعويم الكامل الذي يمنح السوق السيادة المطلقة في تحديد القيمة العادلة، ومنه التعويم المدار الذي يجمع بين مرونة السوق وحكمة التدخل المركزي لمواجهة التقلبات الحادة، وللاستيعاب فيما يلي سنوضح الفرق بين التعويم الكامل والتعويم المدار.
ما الفرق بين التعويم الكامل والتعويم المدار؟

يكمن الفرق بين التعويم الكامل والتعويم المدار في درجة التدخل ومرجعية السعر، ففي التعويم الكامل تنسحب الدولة تمامًا من المشهد، وتُترك القيمة التبادلية للعملة لآليات العرض والطلب الصرفة؛ حيث يتحدد السعر بناءً على تدفقات الاستثمار، الميزان التجاري، والثقة الاقتصادية، دون أي سقف أو قاع يضعه المصرف المركزي.
أما في التعويم المدار فإن السلطات النقدية تتبنى نظامًا هجينًا؛ حيث تسمح لقوى السوق بتحديد الاتجاه العام لسعر الصرف، لكنها تتدخل كـصمام أمان عند حدوث تقلبات عنيفة أو غير مبررة، وهذا التدخل لا يهدف لتثبيت السعر بشكل دائم، بل لتنعيم حركة العملة لمنع الانهيارات المفاجئة التي قد تعصف بالاستقرار القومي، وذلك عبر ضخ أو سحب السيولة الأجنبية من الأسواق.
ما أنواع سياسة التعويم؟
في توضيح الفرق بين التعويم الكامل والتعويم المدار تنقسم سياسات التعويم بشكل أساسي إلى فئتين رئيستين، تختلف كل منهما في فلسفتها الاقتصادية ومدى سيطرة الدولة على حركة النقد الأجنبي، وهما:
1- التعويم الخالص (الكامل أو الحر)
في هذا النظام تخضع العملة لسياسة اليد الخفية للسوق؛ حيث لا يتدخل البنك المركزي بأي شكل من الأشكال لتحديد سعر الصرف أو التأثير عليه:
آلية العمل فيه يتحدد السعر بناءً على التفاعل المباشر بين العرض والطلب، فإذا زاد الطلب على العملة المحلية ارتفعت قيمتها، وإذا زاد المعروض منها انخفضت، مثل: “الدولار الأمريكي، والجنيه الإسترليني، والين الياباني”.
2- التعويم الموجّه (المدار)
هو نظام مرن ولكن بـرقابة مؤسسية؛ حيث يُسمح لقوى السوق بتحديد السعر، مع احتفاظ البنك المركزي بالحق في التدخل عند الضرورة القصوى.
يتحرك السعر فيه بحرية ضمن نطاقات معينة، فإذا تجاوزت العملة حدود الاستقرار يتدخل البنك المركزي كبائع أو مشترٍ للعملة الصعبة لضبط الإيقاع، ويُطبق هذا النظام في العديد من الاقتصادات الناشئة والدول التي تمر بمراحل تحول اقتصادي.
ما مميزات التعويم الكامل والتعويم المدار؟

في الفرق بين التعويم الكامل والتعويم المدار تتفاوت مميزات كل نظام وفقًا للأهداف الاستراتيجية للدولة وقوة قاعدتها الإنتاجية، وتأتي على النحو التالي:
أولًا: مميزات التعويم الكامل (الحر)
- يعمل سعر الصرف كـممتص للصدمات؛ ففي حالات العجز التجاري، تنخفض قيمة العملة تلقائيًا مما يجعل الصادرات أرخص والواردات أغلى، وهو ما يعيد التوازن للميزان التجاري دون تدخل بشري.
- لا تضطر الدولة لاستنزاف مخزونها من العملات الأجنبية أو الذهب للدفاع عن سعر صرف اصطناعي، مما يعزز من ملاءتها المالية.
- يمنح البنك المركزي حرية كاملة للتركيز على استهداف التضخم وضبط معدلات الفائدة المحلية، دون الانشغال بملاحقة سعر الصرف.
- يمحو ظاهرة السوق السوداء فيمنح المستثمر الأجنبي ثقة في أن قيمة أرباحه وأصوله تخضع لمعايير السوق الحقيقية لا لقرارات إدارية.
ثانيًا: مميزات التعويم المدار
- يحمي الأسواق من هزات المضاربة القصيرة الأجل التي قد تؤدي إلى هبوط غير مبرر في قيمة العملة، فيحافظ على استقرار نفسية المستثمرين والمستهلكين.
- من خلال التدخل المحدود تستطيع الدولة منع الارتفاع الجنوني في أسعار السلع الأساسية المستوردة، فيحمي القوة الشرائية للمواطنين.
- يمنح صانع القرار الاقتصادي مرونة السوق التي تعكس الواقع الاقتصادي، وقدرة الدولة على التدخل في المنعطفات التاريخية أو الأزمات العالمية.
- يُعد مرحلة انتقالية مثالية للدول التي ترغب في الانتقال من نظام الصرف الثابت إلى الحر، حيث يسمح للاقتصاد بالتكيف تدريجيًا مع آليات العرض والطلب.
ما عيوب التعويم الكامل والتعويم المدار؟
أثناء توضيح الفرق بين التعويم الكامل والتعويم المدار يتجلى أن لكل سياسة نقدية ثمنها ومخاطرها، وفيما يلي العيوب لكلٍ منهم:
أولًا: عيوب التعويم الكامل
- قد تتعرض العملة لهزات عنيفة وسريعة نتيجة أخبار سياسية أو شائعات اقتصادية، وهذا يخلق حالة من عدم اليقين لدى المستثمرين والتجار.
- في الدول التي تعتمد بكثافة على الاستيراد يؤدي أي انخفاض حاد في قيمة العملة إلى قفزات جنونية في أسعار السلع الأساسية، فتضغط على الطبقات المتوسطة والفقيرة.
- يصعب على الشركات والمصانع وضع خطط ميزانية طويلة الأجل أو تقدير تكاليف الإنتاج بدقة؛ للتغير المستمر واللحظي في سعر الصرف.
- في حالات الأزمات قد يؤدي الهبوط السريع للعملة إلى ذعر المستثمرين وتخارج الأموال الساخنة بشكل جماعي، مما يضاعف من أزمة العملة.
ثانيًا: عيوب التعويم المدار
- التدخل المستمر لدعم العملة ومنعها من الهبوط يتطلب ضخ كميات هائلة من الدولار، مما يؤدي في النهاية لنفاذ الاحتياطيات الدولية للدولة.
- قد يعطي التدخل سعرًا غير حقيقي للعملة، فيؤدي إلى سوء تخصيص الموارد وتأخير الإصلاحات الاقتصادية الهيكلية الضرورية.
- أحيانًا لا تكون قواعد تدخل البنك المركزي واضحة للأسواق، مما يثير تساؤلات المستثمرين حول السعر العادل ويخلق حالة من الترقب والحذر.
- إذا استشعر السوق أن البنك المركزي لم يعد قادرًا على الدفاع عن نطاق معين للسعر، فقد يشن المضاربون هجمات شرسة ضد العملة، فيجبر الدولة على خفض قيمتها بشكل قسري ومؤلم.
أيهما أفضل.. التعويم الكامل أم المدار؟

إن المفاضلة في الفرق بين التعويم الكامل والتعويم المدار كما نوضح في انفست ليست بين “صح” و”خطأ”، بل هي موازنة بين المكاسب والمخاطر؛ فكل نظام يخدم غاية اقتصادية محددة تفرضها ظروف الدولة:
التعويم الكامل هو الأفضل: للدول التي تمتلك اقتصادًا متنوعًا، وقاعدة إنتاجية صلبة، وجهازًا مصرفيًا متطورًا، حينها يكون ترك العملة للسوق دليلًا على الثقة، ووسيلة لتحقيق كفاءة اقتصادية عالية تمنع ظهور الأسواق الموازية وتجذب الاستثمار الأجنبي المباشر الباحث عن الشفافية الكاملة.
التعويم المدار هو الأفضل: للاقتصادات الناشئة أو تلك التي تمر بمراحل انتقالية حرجة، ففي ظل ضعف الموارد التصديرية أو نقص التدفقات النقدية يصبح ترك العملة “للرياح” مخاطرة قد تؤدي إلى تآكل السلم الاجتماعي بسبب التضخم الانفجاري.
إن المفاضلة في الفرق بين التعويم الكامل والتعويم المدار هي رحلة بحثٍ تستمر عن نقطة التوازن؛ فالحرية المطلقة للسوق قد تكون قاسية بالتدخل المفرط للدولة قد يكون مكلفًاـ لذا فالنظام الأمثل هو الذي يمنح الاقتصاد مرونة التحرك لمواكبة العالم، مع الاحتفاظ بحكمة التوجيه لحماية الداخل.
الأسئلة الشائعة
هل يؤثر نوع التعويم على التصنيف الائتماني للدولة؟
نعم وبشكل ملحوظ، فمن الفرق بين التعويم الكامل والتعويم المدار تنظر وكالات التصنيف الائتماني العالمية للتعويم الكامل كإشارة على نضج النظام المالي وقدرة الاقتصاد على امتصاص الصدمات دون استنزاف الخزانة، أما المدار فقد يُنظر إليه أحيانًا بحذر إذا كان التدخل يهدف لإخفاء ضعف هيكلي.
لماذا تفضل المنظمات الدولية التعويم الكامل عادةً؟
يرى صندوق النقد أن التعويم الكامل يفرض انضباطًا ذاتيًا على الحكومة؛ فالفشل في السياسات المالية يظهر فورًا في انخفاض قيمة العملة أمام العالم.




