التعويم والعجز التجاري قضيتان تشغلان بال صناع السياسات الاقتصادية في العديد من الدول، خاصة النامية منها، يشير التعويم إلى نظام مرن لسعر الصرف تحدد فيه قوى السوق من العرض والطلب قيمة العملة المحلية مقابل العملات الأجنبية، على عكس نظام التثبيت الذي تحدد فيه الحكومة أو البنك المركزي سعراً ثابتاً للعملة، أما العجز التجاري فهو الفرق السلبي بين قيمة صادرات الدولة وقيمة وارداتها خلال فترة زمنية محددة، السؤال الجوهري الذي يطرح نفسه هو هل التعويم يخفض العجز التجاري؟ الإجابة ليست بـ “نعم” أو “لا” بسيطة، بل تتطلب غوصاً عميقاً في آليات انتقال السياسة النقدية، وشروط مارشال-ليرنر، وطبيعة هيكل الاقتصاد.
هل التعويم يخفض العجز التجاري؟

يمكن أن يكون التعويم أداة قوية لخفض العجز التجاري، لكنه ليس غاية في ذاته ولا دواء شاملاً، فاعليته في خفض العجز التجاري مشروطة بشروط مارشال-ليرنر، ومرهونة بهيكل الاقتصاد ومصداقية السياسات الكلية، التعويم الناجح هو الذي يتم في إطار حزمة إصلاح متكاملة تهدف إلى تعزيز المرونة الهيكلية وزيادة الإنتاجية والتنافسية الحقيقية، التعويم في بيئة إصلاحية داعمة يمكن أن يكون محفزاً قوياً لتصحيح الاختلالات الخارجية، لكن التعويم في فراغ مؤسسي، أو كبديل للإصلاح الهيكلي المؤلم، قد يكون مجرد مسكن مؤلم يزيد الأعراض سوءاً على المدى الطويل، لذلك، عند مناقشة ما إذا كان التعويم يخفض العجز التجاري، يجب أن يتحول النقاش من التركيز على الأداة نفسها (التعويم) إلى التركيز على الشروط والبيئة المحيطة التي تجعل من التعويم خطوة على طريق خفض العجز التجاري وبناء اقتصاد منتج وقادر على المنافسة عالمياً.
كيف من المفترض أن يؤثر التعويم على العجز التجاري؟
في سياق الاجابة عن هل التعويم يخفض العجز التجاري؟ يفترض نظرياً أن يؤدي التعويم الذي يتسبب في تخفيض قيمة العملة المحلية (الانخفاض الحقيقي والفعال) إلى تصحيح العجز التجاري عبر قناتين رئيسيتين:
قناة السعر
عند تخفيض قيمة العملة، تصبح السلع المحلية أرخص بالنسبة للمشترين الأجانب عندما تحول أسعارها إلى عملتهم، في الوقت نفسه، تصبح السلع المستوردة أعلى ثمناً بالنسبة للمستهلك المحلي عند تحويل أسعارها إلى العملة المحلية، هذا يولد حافزاً لزيادة الصادرات (بسبب انخفاض أسعارها عالمياً) وتقليل الواردات (بسبب ارتفاع أسعارها محلياً)، إذا تحققت شروط معينة، فإن هذه التحولات من شأنها خفض العجز التجاري أو حتى تحويله إلى فائض.
قناة الحجم
هل التعويم يخفض العجز التجاري؟ يؤثر تخفيض قيمة العملة على مستويات الدخل الحقيقي، فمن ناحية، قد يزيد الطلب على الصادرات وبالتالي يعزز الإنتاج والدخل في القطاع التصديري، ومن ناحية أخرى، يرتفع تكلفة المعيشة بسبب غلاء الواردات، مما يقلل القوة الشرائية للدخل المحلي ويوجه الإنفاق نحو السلع المنتجة محلياً، المحصلة النهائية لتأثير التعويم على العجز التجاري عبر هذه القناة تعتمد على المرونة الإنفاقية النسبية.
العوامل الهيكلية والمؤسسية التي تؤثر على فاعلية التعويم في معالجة العجز التجاري
في سياق الإجابة عن هل التعويم يخفض العجز التجاري؟ فإن نجاح التعويم في خفض العجز التجاري لا يعتمد فقط على المرونات السعرية، بل على مجموعة معقدة من العوامل الداخلية:

طبيعة هيكل الإنتاج والتصدير
إذا كان الاقتصاد يعتمد على تصدير سلع أولية (نفط، غاز، معادن) ذات طلب عالمي غير مرن سعرياً، فإن تخفيض قيمة العملة قد لا يحفز زيادة كبيرة في حجم الصادرات لأن الطلب عليها لا يستجيب بقوة لتغير السعر بالمقابل، إذا كان هيكل الصادرات متنوعاً ويشمل سلعاً صناعية وخدمات قابلة للتفاضل، يكون تأثير التعويم على خفض العجز التجاري أقوى.
اعتماد الإنتاج على المدخلات المستوردة
هل التعويم يخفض العجز التجاري؟ إذا كانت الصناعات المحلية والتصديرية تعتمد بشكل كبير على مدخلات وسيطة ومواد خام مستوردة، فإن تخفيض قيمة العملة يرفع تكاليف الإنتاج بشكل حاد، هذا قد يلغي المكاسب التنافسية الناتجة عن التعويم، بل وقد يؤدي إلى تضخم جامح دون تحسن ملموس في العجز التجاري، هذه معضلة تواجهها العديد من الاقتصادات النامية.
الاستجابة الإنتاجية المحلية (مرونة العرض)
حتى إذا زاد الطلب العالمي على الصادرات بسبب التخفيض، هل يستطيع القطاع الإنتاجي المحلي زيادة العرض بالسرعة والجودة المطلوبة؟ القيود الهيكلية مثل ضعف البنية التحتية، ونقص التمويل، وبيروقراطية التصدير يمكن أن تعيق استغلال فرصة التعويم لـ خفض العجز التجاري.
مصداقية السياسات والسياق الكلي
التعويم في بيئة تتميز بارتفاع التضخم المزمن وعدم استقرار السياسات قد يؤدي إلى تكوين توقعات تضخمية، حيث يتوقع الأفراد استمرار تخفيض قيمة العملة، يسرعون بتحويل مدخراتهم للعملة الصعبة، مما يزيد الضغط التخفيضي على العملة ويخلق حلقة مفرغة، في هذه الحالة، قد يفقد التعويم فاعليته في خفض العجز التجاري لانشغال الاقتصاد بأزمات أخرى.
اقرأ المزيد: هل التعويم يحسن الاقتصاد
دراسات حالة حول تأثير التعويم على العجز التجاري
بعد أن وضحنا الإجابة الخاصة بتساؤل هل التعويم يخفض العجز التجاري؟ يمكننا تعزيز التحليل النظري بنظرة على واقع تجارب بعض الدول:

مصر (2016 وما بعدها)
بعد تعويم الجنيه بشكل حاد في نوفمبر 2016، شهد العجز التجاري تحسناً ملحوظاً في البداية، حيث انخفض من حوالي 45 مليار دولار في السنة المالية 2015/2016 إلى نحو 36 مليار دولار في 2018/2019، ساهم التعويم في زيادة تحويلات المصريين بالخارج وجذب الاستثمارات الأجنبية في أذون الخزانة، كما عزز تنافسية بعض الصادرات غير البترولية مثل المنتجات الزراعية والملابس. لكن الاعتماد الكبير على الواردات (الغذاء، الآلات، السلع الوسيطة) حد من استمرار التحسن، حيث عاود العجز التجاري الارتفاع في السنوات اللاحقة ليصل إلى مستويات قياسية تتجاوز 50 مليار دولار، مدفوعاً بارتفاع أسعار الواردات عالمياً وضعف القدرة الإنتاجية المحلية. التجربة المصرية توضح أن التعويم قد يساهم في خفض العجز التجاري مؤقتاً، لكن تأثيره يضعف دون إصلاحات هيكلية مصاحبة.
الأرجنتين (تكرار تجارب التعويم):
الأرجنتين هي دراسة حالة كلاسيكية عن تعويم العملة في بيئة غير مستقرة. تكرار عمليات التعويم الحادة للبيزو لم يحل مشكلة العجز التجاري المزمن، بل غالباً ما كان يقود إلى موجات تضخم مدمرة وتراجع في الناتج المحلي. السبب الجوهري هو فقدان الثقة في السياسات وغياب الإطار المؤسسي الذي يضمن استقرار الاقتصاد الكلي، مما يعني أن التعويم وحده، في غياب المصداقية والسياسات المالية والهيكلية الداعمة، قد يفشل في خفض العجز التجاري بشكل مستدام.
تجارب ناجحة نسبياً (كوريا الجنوبية بعد أزمة 1997):
هل التعويم يخفض العجز التجاري؟ بعد الأزمة المالية الآسيوية، اضطرت كوريا الجنوبية إلى تعويم الوون تخفيضاً حاداً. ساعد ذلك بشكل كبير في تحويل العجز التجاري إلى فائض ضخم، لأن الاقتصاد الكوري يتمتع بصناعة تصديرية قوية ومتنوعة (إلكترونيات، سيارات، سفن) ذات مرونة عرض عالية وقدرة على استغلال الميزة التنافسية للسعر. بالإضافة إلى ذلك، كانت السياسات المصاحبة تركز على إعادة هيكلة القطاع المالي والشركات، مما عزز من تأثير التعويم الإيجابي على العجز التجاري.
السياسات المصاحبة الضرورية
من الواضح أن التعويم ليس عصاً سحرية. لكي يكون أداة فعالة في خفض العجز التجاري، يجب أن يكون جزءاً من حزمة سياسات متكاملة تشمل:
- سياسة مالية انضباطية: عجز الميزانية الممول بالإصدار النقدي يولد تضخماً ويقوض ثمار التعويم. الانضباط المالي ضروري لتهيئة البيئة المستقرة التي يمكن أن يعمل فيها التعويم على خفض العجز التجاري.
- سياسات لدعم الإنتاجية والتنويع الاقتصادي: استثمارات في البنية التحتية، التعليم، البحث والتطوير، وتسهيل بيئة الأعمال لخلق قطاع تصديري ديناميكي أقل اعتماداً على الواردات.
- سياسة نقدية مستقلة تركز على استقرار الأسعار: لضبط التوقعات التضخمية ومنع حلقة التخفيض-التضخم المفرغة.
- تفاوض تجاري ذكي: لإزالة الحواجز أمام الصادرات والاندماج في سلاسل القيمة العالمية.
هل التعويم يخفض العجز التجاري؟ يمكن أن يكون التعويم أداة قوية لخفض العجز التجاري، لكنه ليس غاية في ذاته ولا دواءً شاملاً، فاعليته في خفض العجز التجاري مشروطة بشروط مارشال–ليرنر، ومرهونة بهيكل الاقتصاد ومصداقية السياسات الكلية. وتوضح منصة انفست أن التعويم الناجح هو الذي يتم في إطار حزمة إصلاح متكاملة تهدف إلى تعزيز المرونة الهيكلية وزيادة الإنتاجية والتنافسية الحقيقية، إذ إن التعويم في بيئة إصلاحية داعمة يمكن أن يكون محفزًا قويًا لتصحيح الاختلالات الخارجية. أما التعويم في فراغ مؤسسي، أو عند استخدامه كبديل للإصلاح الهيكلي المؤلم، فقد يتحول إلى مجرد مسكن قاسٍ يزيد الأعراض سوءًا على المدى الطويل.




